• ×

02:25 صباحًا , الإثنين 30 نوفمبر 2020

التاريخ 06-02-2018 11:55 صباحًا
تعليقات 0 إهداءات 0 زيارات 647
يسألونك
يسألونك
وردت هذه العبارة في أربعة عشر موضعًا من القرآن الكريم، ينقل فيها الذكر الحكيم الأمور التي سئل عنها الرسول، صلى الله عليه وسلم، ممَّن حوله من الأفراد والجماعات (الصحابة، وكفار قريش، واليهود)، ونزل الوحي بالجواب عنها من الله تعالى، وتلك الأسئلة هي: (يسألونك عن الأهلة)، (يسألونك ماذا ينفقون) في موضعين، (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)، (يسألونك عن الخمر والميسر)، (ويسألونك عن اليتامى)، (ويسألونك عن المحيض)، (يسألونك ماذا أحل لهم)، (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) في موضعين، (يسألونك عن الأنفال)، (ويسألونك عن الروح)، (ويسألونك عن ذي القرنين)، (ويسألونك عن الجبال).
ومن تأمَّل الأمور المسؤول عنها في هذه الآيات، وجدها ذات خطر عظيم في الدين والدنيا، وليس هذا مقام بسط الحديث عنها جميعًا، وسأقصر حديثي في هذه المقالة على (يسألونك عن اليتامى)، متوقفًا عند التوجيه الإلهي الذي تضمنه الجواب عن السؤال عنهم، قال تعالى: "ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم".
تضمن الجواب في هذه الآية العظيمة أربعة أمور، هي:
الأول: أن الإصلاح لليتامى خير:
لم يقل (إصلاحهم خير) بل قال (إصلاح لهم خير)، وقد تأمَّل علماء العربية هذه اللام، فوجدوا أنها أكسبت العبارة تعميم الإصلاح؛ لأنه لو قال (إصلاحهم) لفهم منه (إصلاح ذوات اليتامى) لا غير، بالمأكل والمشرب والكسوة والمسكن، فأما (إصلاح لهم) فهو عام، يشمل كل إصلاح يعود بالنفع (لهم)، يقول ابن عاشور: "والمقصود هنا جميع الإصلاح لا خصوص إصلاح ذواتهم، فيشمل إصلاح ذواتهم وهو في الدرجة الأولى، ويتضمن ذلك إصلاح عقائدهم وأخلاقهم بالتعليم الصحيح والآداب الإسلامية ومعرفة أحوال العالم، ويتضمن إصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأخطار والأمراض، وبمداواتهم ودفع الأضرار عنهم بكفاية مؤنهم من الطعام واللباس والمسكن بحسب معتاد أمثالهم دون تقتير ولا سرف، ويشمل إصلاح أموالهم بتنميتها وتعهدها وحفظها".
وقد أتى بـ(خير) مقطوعة عن المفضول، فلم يقل (خير من كذا وكذا) لتكون دالة على الخيرية العامة المطلقة، فالإصلاح لليتامى كله خير.
الثاني: أن مخالطة اليتامى من منطلق الأخوة أعظم من الاكتفاء بالإصلاح لهم:
قال تعالى (وإن تخالطوهم فإخوانكم): والمراد بيان فضل تجاوز مرحلة الإصلاح لليتامى إلى مرحلةٍ أكثر تقدمًا وكمالا، هي مدافعة عزلة اليتامى الاجتماعية، وقد عبر عنها بمفردتين موحيتين (تخالطوهم) و(إخوانكم)، فالمخالطة تقتضي محو الفوارق حتى لا يعرف خليط من خليط، كما لو خلطت الماء بالماء، ومخالطة اليتامى ذات صور متعددة، مؤاكلتهم ومصاهرتهم ومصاحبتهم ومشاركتهم في هموم الحياة وأعمالها ومشاغلها واستثماراتها ...، والأخوة تقتضي انطلاق تلك المخالطة من شعور عميق بأخوة الإنسانية والإسلام، لا من الشعور بالشفقة والتفضل وعلوِّ اليد.
الثالث: أن التعامل مع اليتامى محفوف بالمخاطر من جهتين:
الأولى: أن ضعفهم وقلة حيلتهم قد تغري ضعاف النفوس بظلمهم وأكل أموالهم ودعِّهم والبغي عليهم، تحت حجاب (الإصلاح والمخالطة).
الثانية: أن الإصلاح لهم ومخالطتهم تفتح بابًا لأهل الأهواء للقدح في راعي اليتيم وكافله ومخالطه والمصلح له، وتهمته بأنه آكل لماله، باغ عليه، مستغل لضعفه.
ولذلك قال الله تعالى (والله يعلم المفسد من المصلح) تحذيرًا لمن تحدثه نفسه بالتعرض لليتيم بسوء، ولو متخفيًا تحت شعار الإصلاح والمخالطة، وتحفيزًا لصادق النية سليم القلب على رعاية اليتيم، وعدم الالتفات إلى أصحاب الظنون والبهتان؛ لأن الناس لو أعرضوا عن الإصلاح لليتامى اتقاءً لألسنة السوء لضاع اليتامى، فالله وحده (يعلم المفسد من المصلح)، وإليه المآل، ولديه الحساب.
الرابع: أن الإصلاح لليتامى ومخالطتهم تيسير من الله تعالى على الناس وتفضل منه عليهم، فلو أن الله تعالى حرَّم على الناس الإصلاح لليتامى ومخالطتهم، لكان في ذلك من المشقة الشديدة والعنت العظيم ما لا يستطيعون تحمله؛ لما فيه من معاندةٍ لطبيعة الإنسان ومنافاة لجبلَّته، ولو أراد الله ذلك لفعله، فهو العزيز الغالب القاهر القادر سبحانه، ولكن حكمته وهو الحكيم سبحانه اقتضت عدم تكليف خلقه ذلك العنت، فاختار لهم طريق (الإصلاح لليتامى) و(مخالطتهم) الذي تتحقق فيه صورة من أعظم صور الإنسانية والتآخي والمودة والرحمة والارتقاء.

التعليقات ( 0 )

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.