• ×

01:19 صباحًا , الإثنين 30 نوفمبر 2020

التاريخ 05-19-2018 05:34 مساءً
تعليقات 0 إهداءات 0 زيارات 252
رمضان وثقافة التدريب
في القرآن العظيم الذي بعث به من لا ينطق عن الهوى، صلى الله عليه وسلم، جاء التحذير من اتباع (الهوى) صريحًا ومباشرًا، فـ(الهوى) يحجب العدالة: (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا)، و(الهوى) أقصر طريق إلى الضلال: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)، و(الهوى) من مسالك الجحيم، ولا سيما إذا اقترن بالظلم والطغيان: (فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا؛ فإن الجحيم هي المأوى)، وعصيان (الهوى) من مسالك النعيم، ولا سيما إذا اقترن بالخوف من الله تعالى ومراقبته: (وأما من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى؛ فإن الجنة هي المأوى).
وهذا الأثر الجوهري لـ(اتباع الهوى) و(عصيان الهوى) في أعظم مطلوب وهو الجنة، وفي أعظم مرهوب وهو النار، يجعل مجاهدة (النفس) التي هي موطن الهوى ومبعثه ومنطلقه، من أشق مصاعب الحياة؛ فهي مهمة تتفاوت فيها الهمم، ولا يبلغها إلا أولو العزم والرشد والشدة؛ لما فيها من معاناة الصبر الطويل، والجلد الدائم.
ولأنَّ المهام الجسام تقتضي مداومة (التدريب)، الذي هو أصل نجاح كل تنمية، وتفرُّد كل مشروع، جعل الله الكريم شهر الصيام دورة سنوية مكثفة على (قيادة النفس) و(إدارة الهوى)، بحمل النفس على ترك ملذاتها المباحة من أكل وشرب ورفث طوال النهار، ومن تنازلٍ عن الانتصار للنفس حتى على من بغى أو سبَّ أو شتم طوال الشهر الكريم، ومن كبحٍ لحب المال بالحث على أعلى درجات النفقة والجود، الذي بلغ أعظم صوره عند الرسول الكريم الذي هو أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون في رمضان، ومن أخذٍ للنفس بالجد والاجتهاد في قراءة القرآن، والقيام، مع تفضله جلَّ وعلا بتوفير الظروف المناسبة لإنجاح هذه الدورة السنوية الفريدة، بفتح أبواب الجنة، وإغلاق أبواب النار، وتصفيد الشياطين، ومع استثمار مبدأ التحفيز؛ لاستثارة همم المتدربين، بإكساب العمل في رمضان مزيدًا من الامتيازات عن العمل في غيره، فالعمرة فيه كحجة، أو كحجة مع الرسول الكريم، وعشره الأخيرة خير ليالي العام، وفيه ليلة خير من ألف شهر، ومن صامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ...، ثم تأتي (الزكاة) في الختام متناغمة مع جميع مناشط التدريب، الذي يستهدف رياضة النفس، وتجديد زكائها، وغسلها من أدرانها: (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دسَّاها).
وما أعظم قول البوصيري، رحمه الله، في بردته:
والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شبَّ على* حُبِّ الرَّضاعِ وإن تَفطِمهُ يَنفطمِ/
فاصرف هواها وحاذر أن تُوَلِّيَهُ * إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أو يَصِمِ/
وراعِها وهي في الأعمالِ سائِمةٌ * وإن هي استحلَتِ المرعى فلا تُسِمِ/
كم حسَّنَت لَذَّةً للمَرءِ قاتلةً * من حيثُ لم يدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ/
وخيرٌ من ذلك، دعوته الجامعة صلى الله عليه وسلم: (اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شرِّ نفسي)، أسأل الله ذلك لي ولكم.

التعليقات ( 0 )

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.